مصر
  • 29℃ القاهرة, مصر

رئيس مجلس الإدارة

طارق لطفى

رئيس التحرير

أحمد سليمان

هناك أكثر من «مستريح»

 

تؤكد النظريات الاقتصادية أنه كلما تم تخفيض أسعار الفائدة بالبنوك، أدى ذلك لتحقيق انتعاش اقتصادى، حيث تخرج المدخرات من «مكامنها» سعيًا لتأسيس مشروعات أو الاستثمار فى البورصة، إضافة إلى أن هذا التخفيض سيقلل من أعباء الحصول على الائتمان اللازم للاستثمار.
وهذا الكلام وإن كان صحيحاً نظريًا، إلا أنه عند تطبيقه على أرض الواقع يواجه مشكلات كبيرة وكثيرة، فليس كل مواطن لديه الخبرة الاقتصادية ولا القدرة الاستثمارية على إدارة أمواله بطريقة آمنة.
ومن هنا تبقى البنوك بمختلف أنواعها هى الملاذ الآمن للحفاظ على أموال المصريين وخاصة مودعى القطاع العائلى الذين يعتمدون على ما يحصلون عليه من فوائد على مدخراتهم لسد جزء من أعباء الحياة.

فى ثمانينيات القرن الماضى انفجرت قضية شركات «توظيف الأموال» التى أوهمت المواطنين بأنها البديل الأفضل للبنوك من خلال منحهم أرقام فوائد خرافية. كانت الظاهرة خطيرة ولم تكن تعبر عن استثمار حقيقى،  وتصدت لها الدولة بقوة، واكتشفنا حقائق مروعة حول طبيعتها ونشاطها ومن يقفون ورائها.
ومع مطلع القرن الحالى ظهرت نسخة جديدة من نشاط توظيف الأموال، ولكن لم تأخذ فى هذه المرة شكل الشركات، بل جاءت فى صورة أشخاص يقومون بشكل فردى بجمع الأموال من الناس لتشغيلها، وهو ما عُرف بظاهرة «المستريح».
لم تنته الظاهرة نهائيًا، بدليل أننا بين الحين والآخر نسمع عن ظهور «مستريح» جديد فى قرية أو مدينة بعد أن يكون قد جمع عشرات الملايين من الجنيهات، وفر بها هاربًا.

اليوم تعود الظاهرة من جديد ولكن على أيدى «هواة» على الانترنت، يدشنون صفحات، يزعمون فيها أنهم يقومون بالتداول فى «الفوركس» و«البيتكوين» وغيرها من العملات الرقمية، وأنهم يحققون أرباحًا فورية، وما عليك سوى أن ترسل مبلغا من المال يبدأ من 50 ويصل إلى 5 آلاف جنيه، مع نشر جدول بـ«الأرباح الموعودة» لمن يشارك.
الظاهرة منتشرة، وقادنى الفضول الشخصى لمتابعتها، حيث يبدأ صاحب الصفحة بارسال صورة بطاقة شخصية مزعومة له، مع بعض الفيديوهات التى يسبح فيها أشخاص بحمده وفضله، وأنه هو الذى ساعدهم على حل مشاكلهم وسداد ديونهم وتزويج أولادهم. 
هنا ينساق الضحية فى تحويل المبلغ، وبعد نصف ساعة، يتلقى الرسالة: مبروك يا افندم أنت كسبت معانا، وكمان جالك «بونص» زيادة، وبدل ما هاتستلم 800 جنيه، لا.. أنت لك 3800 جنيه.. ولكن مطلوب تحويل 170 جنيهًا أخرى، وهى مصاريف تحويل الأرباح، لأن الفلوس «متعلقة» على «السيستم» باسمك ولا يمكن تحويلها إلا بعد ارسال المبلغ. وعلى الفور يدرك الضحية أنه يجرى وراء «السراب»، وأنه مُقبل على «دوامة» من عمليات النصب يقوم بها «صغار المستريحين» الجدد الذين يستعلون ضغوط الحياة وما أكثرها.

أتمنى أن تحظى هذه الظاهرة بمواجهة فورية من الجهات المعنية بجرائم الانترنت، كما أطالب القطاع المصرفى بقيادة السيد حسن عبدالله محافظ البنك المركزى بإعادة النظر فى هيكل أسعار الفائدة وخاصة التى تُقدم لمدخرى القطاع العائلى.
البنوك هى الحصن الحقيقى للمصريين وقد لعبت دورًا كبيرًا فى حماية المجتمع والنظام الاقتصادى من الانهيار فى أصعب الظروف التى مرت بها مصر، ودورها فى دعم المشروعات القومية لا يُستهان به، والمؤكد أن خفض أسعار الفائدة لن يدفع أحاد المواطنين لتأسيس الشركات، بل ستكون نتيجته المحتومة إما تآكل مدخراتهم، أو سقوطهم فريسة لعمليات النصب والاحتيال. 
البنوك هى السند والأمان، فلا تتركوا أموال الناس نهبًا ومطمعًا لكل «مستريح جديد».